ابدأ الرحلة

التعلق في علم النفس: أثر التعلق في تشكيل الشخصية والعلاقات

التعافي والنمو الشخصي التعلق الزواج والأسرة الصحة النفسية الطفولة والتربية العلاقات الوعي الذاتي تنظيم المشاعر Aug 06, 2026

 

التعلق وأثره في تشكيل الذات الإنسانية

 

     

النداء الأول للوجود

لا يولد الإنسان باحثًا عن الخبز وحده، بل يولد وفي أعماقه حاجة فطرية إلى القرب والأمان، وإلى شخص يستجيب له عندما يخاف أو يتألم.

في الشهور والسنوات الأولى من الحياة، تبدأ بين الطفل ومقدم الرعاية روابط عاطفية تتشكل من خلال تجارب متكررة من القرب والاستجابة والاحتواء.

وهذه الرابطة ليست مجرد عاطفة عابرة، بل تدخل في الطريقة التي يتعلم بها الطفل معنى الأمان، وكيف يلجأ إلى الآخرين عندما يحتاج إليهم، وكيف يخرج من دائرة الأمان ليستكشف العالم من حوله.

وهنا تبدأ حكاية التعلق؛ ذلك النظام الذي وصفه جون بولبي بوصفه جزءًا أساسيًا من تطور الإنسان، ووظيفته الرئيسية المحافظة على القرب من شخص قادر على توفير الحماية والرعاية، خصوصًا في أوقات الخوف والتعب والمرض.


حين انتصر الدفء على الغذاء

لسنوات طويلة، كانت بعض النظريات النفسية تفسر ارتباط الرضيع بأمه أو بمقدم الرعاية باعتباره ناتجًا أساسًا عن إشباع حاجاته، وعلى رأسها الغذاء.

لكن سلسلة من التجارب الشهيرة التي أجراها عالم النفس الأمريكي هاري هارلو وزملاؤه على صغار قرود الريسوس في خمسينيات القرن الماضي قدمت دليلًا مؤثرًا على أهمية ما سماه Contact Comfort — راحة التلامس.

في إحدى صور هذه التجارب، كان أمام الصغار بديلان للأم: نموذج مصنوع من الأسلاك وآخر مغطى بقماش ناعم. وأظهرت الصغار تفضيلًا واضحًا لقضاء الوقت متشبثة بالنموذج القماشي، حتى عندما كان الطعام مرتبطًا بالنموذج السلكي.

كانت النتيجة شديدة التأثير في علم النفس:

الغذاء وحده لا يفسر التعلق.

فالقرب واللمس والشعور بالراحة والأمان لها أهمية عميقة في تكوين الرابطة بين الصغير ومقدم الرعاية.

وقد تطورت نظرية التعلق بصورة أساسية من أعمال الطبيب والمحلل النفسي البريطاني جون بولبي، ثم أسهمت أبحاث ماري أينسورث في تحويل كثير من أفكار النظرية إلى ملاحظات واختبارات تجريبية لدراسة اختلاف أنماط التعلق بين الأطفال.


التعلق: السيمفونية الداخلية المستمرة

التعلق ليس مجرد حدث عابر في طفولة منسية.

فبحسب نظرية بولبي، يبدأ الإنسان من خلال تجاربه المتكررة مع مقدم الرعاية في تكوين ما أطلق عليه:

النماذج العاملة الداخلية — Internal Working Models.

ويمكن أن نفهمها باعتبارها خرائط ذهنية وعاطفية تتكون من الخبرة، وتساعد الطفل مع الوقت على بناء توقعات عن نفسه والآخرين والعلاقات.

هل سيأتي أحد عندما أحتاج إليه؟

هل الأشخاص المهمون في حياتي متاحون ويمكن الاعتماد عليهم؟

هل أستطيع التعبير عن احتياجي؟

وهل أنا شخص يستحق الرعاية والاستجابة؟

هذه النماذج لا تبقى بالضرورة كما تشكلت في طفولتنا إلى الأبد، لكنها قد تؤثر في الطريقة التي نفسر بها العلاقات ونتعامل بها مع الآخرين لاحقًا. كما أنها تظل قابلة للتحديث والتغير مع النمو والتجارب والعلاقات الجديدة.

وهذه نقطة شديدة الأهمية:

طفولتك تؤثر فيك… لكنها لا تكتب مستقبلك بالكامل.


عندما يكون الأمان موجودًا

حين يختبر الطفل مقدم رعاية متاحًا ومستجيبًا لاحتياجاته بصورة كافية ومتكررة، يستطيع أن يبني قدرًا أكبر من الثقة في إمكانية اللجوء إليه وقت الحاجة.

وهنا يظهر واحد من أجمل مفاهيم نظرية التعلق:

القاعدة الآمنة — Secure Base.

وجود شخص آمن لا يجعل الطفل أكثر اعتمادًا بالضرورة؛ بل يمكن أن يمنحه الثقة التي يحتاج إليها حتى يبتعد ويستكشف.

فالطفل يلعب، ويكتشف، ويجرب…

ثم يلتفت.

هل ما زال الشخص الذي يمنحني الأمان موجودًا؟

وعندما يشعر بالخوف أو التعب، يستطيع العودة إليه باعتباره ملاذًا آمنًا — Safe Haven.

يهدأ…

ثم يعود إلى العالم مرة أخرى.

ولهذا فالأمان والاستقلال ليسا ضدين.

أحيانًا قدرتنا على الابتعاد بثقة تبدأ من معرفتنا أن هناك مكانًا آمنًا نستطيع العودة إليه.


عندما يختل الأمان

أما عندما تكون خبرات الرعاية أقل استجابة أو أكثر اضطرابًا، فقد تتشكل استراتيجيات مختلفة للتعامل مع القرب والضيق.

لكن هنا يجب أن نكون دقيقين جدًا.

ليس معنى ذلك أن موقفًا واحدًا من الأم أو الأب يصنع نمط تعلق كاملًا، ولا أن كل طفل عاش تجربة صعبة سيكبر بالنتيجة النفسية نفسها.

التعلق يتأثر بتجارب متكررة، ويتداخل مع عوامل كثيرة في نمو الإنسان.

والأبحاث تشير إلى وجود علاقات بين أنماط التعلق غير الآمن وبعض الصعوبات النفسية والعلاقية، لكنها لا تعني أن التعلق غير الآمن يسبب وحده اضطرابًا نفسيًا معينًا أو أن النتيجة حتمية.

حتى في اضطراب الشخصية الحدية مثلًا، توجد علاقة بحثية قوية مع أنماط التعلق غير الآمن، لكن هذا لا يعني أن التعلق غير الآمن وحده «يصنع» الاضطراب.

وهنا يصبح فهم التعلق وسيلة لفهم الإنسان، لا وسيلة للحكم عليه.


التوازن بين الأمن والاستكشاف

داخل الطفل يعمل نظام التعلق بصورة ديناميكية.

عندما يشعر بالخوف أو الألم أو التعب، أو عندما يصبح مقدم الرعاية بعيدًا أو غير متاح، تنشط سلوكيات البحث عن القرب.

يبكي.

ينادي.

يتبع مقدم الرعاية.

يمد يديه.

يبحث عنه.

والهدف من هذه السلوكيات هو استعادة القرب والشعور بالأمان.

وعندما يستعيد الطفل إحساسه بالأمان، يهدأ نظام التعلق نسبيًا، ويصبح أكثر استعدادًا للعودة إلى اللعب والاستكشاف والتعلم.

ولهذا لا نحتاج أن نفصل الأمان عن الاستكشاف.

الأمان هو الذي يعطي الطفل أحيانًا الشجاعة حتى يستكشف.

أما الخوف فهو من أهم الظروف التي تنشط نظام التعلق؛ فعندما يشعر الطفل بالتهديد، يصبح موقع مقدم الرعاية وإمكانية الوصول إليه أكثر أهمية بالنسبة إليه.


كيف تتشكل روابط التعلق؟

تتشكل رابطة التعلق تدريجيًا، وليس في لحظة واحدة.

في المرحلة الأولى من الحياة يظهر الرضيع مجموعة من السلوكيات التي تساعده على إبقاء الآخرين قريبين منه، مثل البكاء والتشبث والابتسام والتواصل.

ومع مرور الشهور، يبدأ في التمييز بصورة أوضح بين الأشخاص المألوفين وغير المألوفين، وتزداد استجاباته خصوصية تجاه الأشخاص الذين يقدمون له الرعاية بصورة متكررة.

وخلال النصف الثاني من السنة الأولى تقريبًا تصبح علاقة التعلق أكثر وضوحًا؛ فيبدأ الطفل بالبحث عن مقدم أو مقدمي الرعاية المألوفين عندما يشعر بالخوف أو الضيق، وقد يظهر احتجاجًا عند الانفصال، ويستخدم الشخص المألوف قاعدة آمنة للاستكشاف.

وتظهر أبحاث التعلق أن العلاقة الواضحة بين الطفل ومقدم الرعاية تصبح بارزة بصورة خاصة تقريبًا من عمر ستة أشهر وحتى العامين، مع استمرار تطور قدرات الطفل على تحمل الانفصال وفهم العلاقة مع تقدمه في العمر.

ومع نمو قدراته العقلية واللغوية، يصبح أكثر قدرة على فهم أن مقدم الرعاية يمكن أن يذهب ثم يعود، وعلى تحمل بعض فترات الانفصال بصورة أفضل.

وبهذا يبدأ التوازن بين حاجتين إنسانيتين سترافقانه طويلًا:

أن أحتاج الآخر… وأن أستطيع أن أكون مستقلًا عنه.


صدى اللمسة الأولى

التعلق ليس مجرد محطة في طفولة بعيدة.

فالخبرات المبكرة مع الأشخاص الذين رعونا قد تترك أثرًا في توقعاتنا عن القرب والثقة والاستجابة، وفي الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والآخرين لاحقًا.

لكن ربما أجمل ما وصل إليه علم التعلق هو أن هذه الخرائط ليست أحكامًا نهائية.

النماذج الداخلية تحمل قدرًا من الاستمرارية، لكنها تستطيع أيضًا أن تتغير وتتحدث من خلال خبرات لاحقة وعلاقات جديدة وتواصل عاطفي مختلف.

لذلك قد يدخل الإنسان الحياة وهو يحمل خريطة قديمة تقول:

لا تثق.

لا تحتاج أحدًا.

تمسك بمن تحب حتى لا يتركك.

أو أخفِ احتياجك حتى لا تُرفض.

ثم يمر بتجارب وعلاقات أكثر أمانًا، ويبدأ ببطء في كتابة خريطة جديدة:

أستطيع أن أقترب دون أن أفقد نفسي.

أستطيع أن أحتاج دون أن أكون ضعيفًا.

أستطيع أن أحب دون أن أعيش طوال الوقت خائفًا من الفقد.

وهنا يصبح فهم التعلق أكبر من مجرد العودة إلى طفولتنا للبحث عمن أخطأ معنا.

إنه محاولة لفهم:

كيف تعلمنا الأمان؟

وكيف نبحث عنه اليوم؟

وكيف نستطيع أن نبنيه بطريقة أكثر صحة داخل أنفسنا وعلاقاتنا؟

فالماضي قد يفسر جزءًا من الطريقة التي تعلمنا بها الحب…

لكنه لا يحكم الطريقة التي سنحب بها إلى الأبد.


المراجع العلمية

  • مراجعة علمية شاملة لنظرية التعلق والنماذج العاملة الداخلية والقاعدة الآمنة.

  • مراجعة حول التعلق بين الرضيع ومقدم الرعاية وأعمال Bowlby وAinsworth.

  • مراجعة علمية عن القاعدة الآمنة والاستكشاف وأنماط التعلق.

  • مراجعة حديثة لمفهوم Internal Working Models في نظرية التعلق.

  • مراجعة علمية عن استمرارية النماذج الداخلية وإمكانية تغيرها مع العلاقات والخبرات الجديدة.

ملاحظة تحريرية

الكيفية التي اختبرنا بها القرب والأمان في سنواتنا الأولى قد تترك أثرًا في الطريقة التي نفهم بها الحب والثقة والقرب لاحقًا، لكنها ليست قدرًا لا يتغير.

فطفولتنا جزء من قصتنا، لكنها ليست القصة كلها.

اذا كنت مهتم بالموضوع احصل على مصادر تساعدك من هذا الرابط

احصل على الدعم

كن جزء من مؤسسة د.مي يوسف رحلة وعي 

مؤسسة د.مي يوسف "رحلة وعي"

السجل التجاري : 7054398909

 سياسة الخصوصية